| 2 تعليقات ]


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضلَّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وخليله وأمينه - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أمَّا بعد .
فيا أيها الناس : اتقوا الله تعالى - وابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون وأذكروا نعم الله عليكم، وما حباكم من الخيرات الوفيرة ، وما وهبكم من العطايا الجزيلة ، وكونوا له من الشاكرين .

أيها المسلمون : إن دينَ الإسلام - ولله الحمد - هو دين الفطرة والسماحة واليسر دينٌ يلبي حاجة الأفراد والمجتمعات ، وينظِّم شؤون الحياة ، الإسلام وسطٌ بين مَنْ يطلقون للنفس العنان لتلهوا وتعبث في الحياة بلا وادع ولا وازع إيماني وبين أولئك الذين يدَْعُون للرهباية وتركِ أسبابِ الحياة بل الأمر كما قال الله تعالى : ((وكذلك جعلنا أمةٌ وسطاً)) .
فهذا الدين العظيم دينٌ ودولة وعملٌ وجد، وخلقٌ وآداب، وعبادةٌ و اكتساب، يعمل فيه المرءُ لدينه كأنه يموت غداً، ويعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً مع ملاحظةِ المسلم للضوابط الشرعية في كلا الحالين ففي الإسلام تنقَلِبُ العادة إلى عبادة إذا أقترنت بالنية الصالحة .
أيها المسلمون : ومن هنا ندرك أن طلبَ المالِ والحلال، والسعي على الأهل والعيال، كما أمر به الإسلام وحَثَّ عليه وَرَتَّبَ عليه الأجر والثواب، لا سيما مع نية الاحتساب قال الله عز وجل : ((هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فأمشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور)) .
بل لقد وُصِلَ العبادة بوقت الاكتساب والعملِ والإنتاج قال الله تعالى : ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) (الجمعة : 10) .
وقالت عائشة رضي الله عنها: ((كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمال أنفسهم) ( رواه البخاري ) .
فالمسلم يطلبُ الرزق الحلال في خبايا الأرض بعرق جبينه ليكون عزيزاً سيداً ، ومعطياً باذلاً لا آخذاً متحرياً وليكون مستعلياً لا مستذلاً ولذلك قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم  ـ إنه((ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وأن نبي الله داود ـ  عليه السلامـ كان يأكل من عمل يده ))[1].
وفي صحيح مسلم عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (( كان زكرياء ـ عليه السلام  ـ نجاراً )) .
وقد قال بعض السلف : إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها إلا الهم في طلب المعيشة ومما أثر عن الحكيم لقمان أنه قال أبنه : ( يا بني استغن بالكسب الحلال عن الفقر فإنه ما أفتقر أحد قط إلا أصابه ثلاثُ خصال : رقةُ في دينه ، وضعفٌ في عقله ، وذهاب مروءته ) .
وقال الأمام التابعي أبو قِلابة ـ رحمه الله ـ : (أيُّ رجلٍ أعظمُ أجراً من رجلٍ ينفق على عياله صغاراً فيعفهم الله تعالى ونغنيهم به) .
وكان الأمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ : يمر بالسوق ويقول: (ما أحسن الاستغناء عن الناس) وقال له رجل : ترى أن أعمل ؟ قال : (:نعم "وتصّدق بالفضل على قرابتك) .
وقال ابنه صالح : (كان أبي ربما أخذ القَدُوم وخرج إلى دار السكان يعمل الشيء بيده) .
إن العملَ وطلبَ المالِ الحلال لا يناقض الزهد ولا ينافيه فهذا سيد البشر محمدٌ - صلى الله عليه وسلم- عمل بالتجارة إلى الشام وباع واشترى وأدّخر القوت صلوات الله وسلامه عليه فلقد كانت الدنيا بين يديه ولم تكن في قلبه ، وكان سَيّد المتوكلين .
ولقد قال الرجل لسفيان بن عيينة - رحمه الله - : هل يكون الرجل زاهداً وعنده مئةُ دينار ؟ قال نعم قال وكيف ذلك ؟ قال : إن نقصت لم يغتم ولم يحزن وإن زادت لم يفرح ولا يكره الموت لفراقها .
وقيل لسفيان الثوري : أيكون الرجل زاهداً ويكون له المال ؟ قال : نعم إن كان إذا أبتلى صبر وإذا أعطي شكر) .
المسلم الحق هو الذي لا يكون عالة على مجتمع بل يَجِدُّ ويعمل، ويبدِلُ السبب لنيل المال ، ويكون سعيةٌ في هذا السبيل وسطٌ بين أصحاب الحرص و الجشع وبين أهل العجز والبطالة .
فهو يقرأ قوله تعالى : ((وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا )) (القصص: 88) . 
ويعلم إنه إلى نصيبه من الآخرة أحوج ، وإذا حصل على المال من وجوه الكسب الحلال اتقى فيه ربه فأنفق وتصدّق ، وأغنى أهل بيته ، ووصل بهذا المالِ رحمه وبذله لأهل ملته ووطنه مخلصاً في هذا لله عز وجل ممتثلاً قول ربه سبحانه: ((وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )) ( سبأ : 39) .
((وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) ( التغابن :16)
ثم هو مع هذا يَدّخِرَ لنفسه ما قد يحتاجه لحادث أو وارث
قال - صلى الله عليه وسلم - : ((إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة  يتكففون الناس )) .
ولقد جاء في الحديث من النبي ـ صلى الله عليه وسلم  ـ أنه قال : ((نعم المال الصالح للرجل الصالح))[2].
أيها المسلمون : لقد أساءَ جمعٌ من أهل الإسلام - هداهم الله - فهم الموقف الحقيقي من المال في الإسلام فترى الواحد من هؤلاء يحرصُ على جمع المال من أي وجه كان ، فالحلال ما حَلَّ بيده والحرام ما عجز عنه، فأمواله من كسِب الربا الخبيث ، ومن الغش والمكر والاحتيال والرشوه وغيرها.
قد سيطر الهلع والجبنُ والبخلُ على نفسه وامتلكت الدنيا قلبهُ فهو مجنون بحب المال وجمعه من أي مصدر كان فغضبه للمال إن ينقص ، ورضاه للمال ، وأفكاره وأحاديثه حول كيفيه تضخيم الأرصدة ، وزيادة الجمع والتنمية ، أماَّ صلاته وعبادته وغيرته على دين الله ، فهو بأحط المنازل ، لا يبالي بما جرى على الإسلام وأهله إذا سلم له مأكله وماله ورئاسته ، جموعٌ منوع ، يأكل كما تأكل الأنعام ، ويشرب كما تشرب الهيم فهو عبدٌ للدنيا والدرهم والمنصب فتباً لهذا الصنف فما أبئسِ حاله قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم  ـ : ((تعس عبد الدينار ، تعس عبدالدرهم ، تعس عبد الخميصه ، تعس عبد الخميله ، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش )) .
فيا سبحان الله كيف تفعل الدنيا بأهلها إذا خالطت شغاف القلب ، واستهان المرء بقواعد الشرع الحنيف .
فماذا يبقى له من حيلَ بينه وبين الرحمة ، وانقطعتْ صلتُهُ بربه ، وحُجِبَ وعِاؤه ، أريتم ـ أيها الإخوة - ذلكَ الرجلُ الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( بأنه يطيلَ السفر ، أشعث أغبر ، يمدُّ يديه إلى السماء ، يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام ، وغذى بالحرام فأني يستجاب لذلك ))[3].
لقد استجمع هذا الرجلُ من صفات الذل والمسكنه ، والفقر والحاجة ، ما يدعو إلى قبول دعائه ، ويؤكد شدةَ افتقارِه ولكنه قد قطع صلته بربه ، وحَرَمَ نفسه من مدد مولاه ، فحيل بينه وبين القبول عياذاً بالله من الشقاء .
أيها الناس : لا يراد منكم تركُ الكسب وطلبُ الرزق بحجهِ التوكل فإن هذا عجزٌ وتواكل بل حقيقه التوكل اعتمادُ القلب على الله وفعلُ الأسباب مع الثقة بالله سبحانه ـ فهو الرزاق فما من دابةٍ إلى على الله رزقها وهذا ما فقهه سلفنا الصالح قال بعضهم : لي أربعُ نسوةٍ وتسعةُ أولاد ما طمع الشيطان أن يوسوس إليَّ في أرزاقهم ، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((لو أنكم تتوكلون على الله حّقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطانا))
فالطير يفعل السبب بغدوه من أول النهار.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله - وتحروا الحلال في طلب المال لتنالوا سعادة الدنيا والآخرة والله الموفق  وحده - لا إله غيره حسبنا الله ونعم الوكيل وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت إليه أنيب أقول هذا القول واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية
الحمد لله رَبِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرزاق ذو القوة المتين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، اللهم صل  وسلم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أَمَّا بعد :
فاتقوا الله - أيها المسلمون - ولا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور .
عباد الله : بالمالِ الحلال يصونُ الرجلُ نفسه عن مدارةِ متكبرٍ متعاظم ، أو بطر جاهل، وبالمال الحلال يستطيعُ المرءُ أن يفعلَ المعروف ويأمر به وينهي عن المنكر ويُحَذّر منه، وواللهِ لسفُّ التراب أحسن من أن يُستذل المرءُ ، أو يبيع دينه بعرض من الدنيا .
قال عمر الفاروق أمير المؤمنين رضي الله عنه: ( مكسبةُ في دناءة خيرٌ من سؤال الناس ) .
وكان سعيد بن المسيب رحمه الله يتاجر بالزيت ويقول ( والله ما للرغبة في الدنيا ولكن أصونُ نفسي وأصل رحمي ) .
وبالمال الحلال استطاع المهاجرون أن يزاحموا اقتصاد كفرة أهل الكتاب وأن يجعلوا المال مالاً إسلامياً وهذا له أثره في نصر الإسلام وحماية اقتصاده ولذلك صارَ لأموال عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وأبي بكر وغيرهم أثرٌ عظيم في الجهاد في سبيل الله .
أيها المسلمون: إن القعود عن العمل والركون إلى الدعة والكسل يُعَدُّ مطعناً في الرجل
قال عمر رضي الله عنه : (إني لأرى الرجل فيعجبني شكله فإذا قيل لا عملَ له سقط من عيني) .
إن الإسلام يريد لأهله أن يكونوا أغنياءَ أقوياء ، لا مهازيل ضعفاء عالةً على الناس ، وما أسعد الرجل المسلم حين يعتدل أمامَه طريقُ الحياة فيعمل بعرق جبينه فيزكيه هذا العرق ويطهرهٌ من الذلة والذنب ومن العجز والكسل وهما ما تعوّذ منه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال : ((اللهم أعوذ بك من العجز والكسل ، والجبن والهرم والبخل)) [4]
كما تعوذ صلى الله عليه وسلم من الفقر وشر الغنى .
ومما أوصى به قيس بن عاصم أولاده : (عليكم بالمال واصطناعه فإنه منبهةُ الكريم، ويستغنى به عن اللئيم وإياكم والمسألة فإنها آخر كسب الرجل) .
وفي صحيح البخاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم  - قال :((لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمةٍ من حطب على ظهرة فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس: أعطوه أو منعوه)) .
وإن من الخطورة بمكان أنْ يُسَبِّبَ تركُ الكسب والعمل والفراغ السطو والسرقةٍ وأخذ ممتلكات الغير، ليتحول المرء من جاد كادح إلى لصٍ لئيم ، ومقتدٍ أثيم ، يأكل الحرام ، ويروّع .
من العمال والموظفين ، والتجار والمقاولين وغيرهم :
حق عليكم تحري الحلال والبعد عن المتشابه والحرم، احفظوا حقوق الناس أنجزوا أعمالهم أوفوا بالعقود والعهود، اجتنبوا الغش والتدريس والمماطلة والتأخير واتقوا الله جميعاً في أنفسكم وفي أولادكم لا تطموهم الحرام فإنهم يصبرون على الجوع ولا يصبرون على حر النار ، وكل جسد نبت من سحت فا النار أولى به .
اللهم أغننا عمن أغنيته عنا، ولا تجعل بنا إلى لئيم حاجة، وأفقر عبادِك إليك يا غني ويا حميد.
الشيخ /صالح بن عبد الرحمن الخضيري

[1] رواه البخاري .
[2] رواه أحمد .
[3] رواه مسلم .
[4] رواه البخاري ومسلم .